حَرم السفاح.ح4

تأليف: علياء شعبان

]الفصل الرابع]]
ظل جالسًا دون حراكٍ في مكانه فقد حثته على التزام مكانه وإلا شكل هذا خطورة على حياته، بدأت السخونة تتملك من جسده المتعرق وشديد الانهاك وصوت تأوهات خافتة تخرج منه بينما لا تزال عيناه متيقظةً لكُل شيء حوله، أسندت ظهرها على الحائط المحاور له ثم وضعت رأسها المجهد بين ذراعيها وساد الصمت لدقائق طويلة حتى وجدته يقول بهدوء:
-كلمتي الزير يشوف أي دكتور؟!!.
رفعت رأسها وقالت بنبرة باهتة:
-كلمته وقال هيتصرف.
رفع “تيَّم” أحد حاجبيه ثم ردد بتوجسٍ:
-إنتِ مش هتقولي لي بردو أيه الخازوق اللي راشق في رقبتي دا؟! وبعدين على آخر الزمن تيَّم السفاح يتعالج من دكتورة حيوانات!!!
افتر ثغرها عن ابتسامة ساخرة من جانب شفتيها وردت:
-هو إنتَ بجد لسه فيك صحة تشخط وتنطر، يا شيخ اتعظ دا إنت كنت من شوية بين إيدين ربنا!!
سكتت هنيهة ثم أكملت:
-وبعدين بخصوص موضوع دكتورة الحيوانات دا، الصراحة كانت تجربة موفقة لأنك بتشترك في صفات كتير أوي معاهم.. فالموضوع مكنش مُعقد خالص.
تيَّم وهو يرميها بنظرة حادة:
-تمام.. هفوق وهقطع لك لسانك كله.
سبأ وهي تعطيه ظهرها ثم تقول ببرود:
-للأسف معنديش حاليًا طاقة أخاف من كلامك.
عاد الصمت يحيط بالمكان مرة أخرى ولكنه تكلم مرة أخرى بثبات:
-لمَّا شوفتك ماسكة المطواة كُنت فاكرك بتستغلي الفرصة وهتتخلصي مني.
سبأ بصوت مخنوقٍ يتخلله بوادر بكاء:
-أنا مش الشخص دا.. أنا مش تيَّم بيه مُستغل الفرص الحقيقي.. أنا مش مجرمة.. ومش عارفة إنتوا ليه مش عايزين تسيبوني في حالي وليه قررت تغير الاتفاق!!
قطب حاجبيه وسأل متوجسًا:
-مين قال لك إني عايز أغير الاتفاق؟!
سبأ وهي تستدير نحوه مرة أخرى وتقول:
-رضوان.. مش إنتَ طلبت منه يبلغني إني أروح القسم واعترف إني شوفتك وأديهم مواصفاتك!!
حدق “تيَّم” فيها بدهشة وشرد بعقله قليلًا إلى نقطة معينة من وقتٍ سابقٍ بينما كانت هي تراقب قسمات وجهه بتركيزٍ وقد فهمت قبل أن ينطق سلبًا بأن هذا الكلام كان من تدبير ذلك الشيطان، وما هي إلا لحظات معدودة حتى وجدتهُ يقول بحنقٍ:
-أنا هشيل البتاعة دي إمتى.. إحنا لازم نمشي من هنا.
سبأ بصوت عليل تتابع:
-مش هينفع غير لمَّا الدكتور يوصل ويقول لك تعمل أيه.
•~•~•~•~•~•~•
-بقول لك يا وزير إن تيَّم ناوي يغدر بينا، النهاردة شوفته مع البت إياها في البيت بتاع المزرعة وكانوا في وضع مش ولا بد يعني وشكله مال ليها وبتلعب في دماغه.
أردف “رضوان” بتلك الكلمات وهو يتحدث إلى رئيسهم الذي أنصت إلى حديثه جيدًا وصدقه بكامل وعيه وكان هذا هدف سُدد في مرمى “تيَّم” الذي يشترك في أنه العدو اللدود لكلاهما، التقط الوزير في هذه اللحظة سلا..حه ثم وجه فوهته إلى السماء وما أن ثبت الفوهة نحو هدفه حتى أطلق بدقة وهو يقول بصوت خشنٍ:
-يبقى نخلص منه في أسرع وقت.
رضوان وهو يبتسم ابتسامة منتصرة سمجة:
-تحبني أعمل أيه؟! إديني أمر ويكون متنفذ بكرا!!
توجه الوزير ببصره نحو الأخير ثم رفع أحد حاجبيه وقال بنبرة ذات مغزى:
-مين اللي قت..ل الش..واذ في قصر التجمع؟!
لمعت عينا “رضوان” وقد فهم مغزى السؤال وقال بثبات:
-تيَّم السفاح.
الوزير باستكمال:
-بمساعدة مين؟!!
يرد الأخير بضحكة ماكرة:
-بمساعدة عشيقته.
الوزير مستكملًا وهو يضع سلا..حه جانبًا:
-الشاهد يحضر في ظرف نص ساعة.
•~•~•~•~•~•~•
-اهدي يا ست وفهمينا الموضوع بهدوء!!
صاح بها الضابط فكتمت شهقاتها وراحت تقول بنبرة متلعثمة:
-بعد ما مضينا على المحضر وخرجنا يا بيه، فيه شوية رجالة جم اتهجموا علينا وضربوا بنتي وخدوها معاهم.
قطب الضابط حاجبيه وسأل مُستفسرًا:
-ومتعرفيش مين دول أو عاوزين من بنتك أيه؟! أو حتى أساميهم أيه؟!
عزيزة وهي تشهق بانهيارٍ:
-أنا معرفش حاجة غير إن الراجل كان اسمه رضوان.. بنتي غلبانة يا بيه مش حِمل مرمطة وأنا خايفة يعملوا فيها حاجة!!
الضابط بتفهم:
-اهدي يا ست ومتخافيش، بنتك هترجع لك في أقرب وقت.
•~•~•~•~•~•~•~•
نظر الطبيب بإمعان إلى التقنية المُنفذة على جسده بحرفية شديدة وكأن ما قام بها هو جراحٌ مُحترفٌ وليست فتاة في السنة الأخيرة من كلية الطب البيطري، تعجب بشدة من مهارتها وذكائها السريع الذي حتم عليها اتخاذ هذا الإجراء الذي يرفض الكثير من الأطباء ذي الخبرات القيام به، فتقنية مثل هذه تحتاج خبرة طبيب مارس المهنة لسنوات أو قلب من حديدٍ لا يخشى الفشل.
انبسطت عُقدة حاجبيه ثم التفت بعينيه إليها وقال بفضولٍ شديدٍ:
-إنتِ عملتي كدا إزاي؟! دا تصرف دكتور مُحترف ومش أي حد يقدر يعمل اللي عملتيه دا!!.
مطت شفتيها ثم تابعت بتلقائية:
-ردي تقنية معروفة في حالات انغلاق مجرى الهوى عن الحالة وبصراحة أنا مكنتش لاقيه حل غير دا.
التفت الطبيب في هذه اللحظة إلى “تيَّم” ثم تابع بهدوء:
-إنتَ مَدين لدكتورتنا الشاطرة بحياتك وإلا مكنش زمانك دلوقتي وسطنا.
اِبتلعت “سبأ” ريقها بتريث وراحت تطرق برأسها ناظرةً للأرض حينما وجدته يرمقها بنظرات ثاقبة مُمعنًا النظر فيها، في هذه اللحظة تكلم “تيَّم” بصوت مريضٍ مُتجاهلًا حديث الطبيب:
-يعني أقدر أتحرك دلوقتي عادي؟!! ولا في خطورة من الجرح؟
الطبيب متابعًا بهدوء:
-الكسر اللي موجود في الرقبة كسر بسيط نتج عن تورم الأحبال الصوتية نتيجة الضرب بس محتاج عملية هي سهلة إن شاء الله أما الجرح فمفيش خطورة منه.
تيَّم بصوت حادٍ يقول:
-فوكك من حوار العملية دا.. خلينا نلاقي مع بعض طريقة بديلة!!
الطبيب باستسلام تام أمام عِناده:
-تجبيس الرقبة لحد ما التورم يخف ونشوف الدنيا هتوصل لفين.. أتمنى تمشي على العلاج ومتعملش مجهود زيادة.
شكر “الزير” الطبيب لقدومه دون تأخير ثم رافقه حتى ركب سيارته وغادر، عاد للداخل مرة أخرى فيما تابعت “سبأ” بصوت مخنوقٍ:
-عايزة أرجع بيتي.. بس قبل ما أمشي.. فهموني هتحلوا عني إمتى؟! سكوت وسكت.. افقدي الذاكرة وفقدت.. أنا تعبت ومش لاقية سند ألجأ له ينقذني منكم.
رماها بنظرة جامدة ثم ردد بلهجة أكثر حدةً:
-مش هينفع تمشي لأنهم مش هيسيبوكِ في حالك، إنتِ خلاص بقيتي لعبة جديدة ليهم فرحانين بظهورها.
رمقته بعينين متسعتين تجمعت الدموع بهما ثم نهضت من مكانها وراحت تهدر في جنونٍ:
-إنتوا هتجننوني؟! لعبة أيه وزفت أيه؟! شوية أشوفكم بتقت..لوا في الناس وبعدين تصوروني في الحمام وكلبكم يحاول يغتصبني وإنتَ تقول لي بقيتي لعبة، ارحموني بقى.. ارحمووووووووني.. أنا معنديش الضهر اللي يحميني وتخافوا منه علشان كدا بتاكلوا في لحم الضعيف باعتباره مستباح ورخيص.. أنا عايزة أرجع بيتي وأعيش حياة طبيعية مع أمي وأختي!
-يلا انجزي طهري لي الجرح زيّ الدكتور ما قال لك.
حدقت فيه بنظرات مصدومة ما لبثت أن تحولت إلى أُخرى حانقة كارهة له لتصرخ فيه بغيظٍ:
-إنتَ مسمعتش أنا بقول أيه؟! إنتَ مريض نفسي.. إنتَ وكل اللي تعرفهم.. ربنا ياخدكم كلكم.
انتهت من عاصفة غضبها ثم هرولت بخطوات مضطربة إلى خارج المنزل وما أن صعدت درجه حتى نظرت حولها لتجد أشجار عاليةً متشابكة تنتشر في كل مكان حول المنزل ولا يتضح الطريق منها حتى، اِبتلعت ريقها بمرارة حينما أدركت أن العودة مستحيلة بمفردها، كورت قبضتها في اختناقٍ ثم تراجعت بجسدها مرة ثانية حتى وقفت على عتبة الباب لتجده ينظر إليها بملامحه الباردة التي تشبه روحه المملؤة بالتبلد وبنبرة لا مبالية قال:
-أيه رجعتي يعني!!
ضغطت على أسنانها بهياج بدل حالتها المرتعبة وراحت تقترب منه ثم تقول بصراخٍ هادرٍ:
-مشيني دلوقتي.. أنا همشي حالًا.
رفع حاجبه ثم أشار لها بإصبعه أن تقترب ففعلت، أشار لها أن تميل بجسدها وتقترب منه ففعلت كنوعٍ من التحدي وإظهار القوة وما أن اقتربت وطالتها يده حتى قبض على رأسها مثبتًا إياها من الخلف وقرَّب وجهه منه لتُصبح سهام أعينهما مصوبتين باتجاه بعض؛ كانت هذه المرة الأولى لها التي تبصر عيني رجل عن قُرب وتُمعن النظر فيها والغريب في الأمر أنها لم تبصر الشر والفساد المحيطين به عن بُعد؛ فعيناه يحيطهما الكثير من الحيطة والحذر وبعض المشاعر المختلطة.. قطع تحليلها له صوته حينما همس بصوت خشنٍ تغمره القوة والصلابة:
-أنا مش عايز منك أي حاجة، فإنتِ لو عايزة تحمي نفسك تفضلي معايا أما بقى لو عايزة تفضلي في الدوامة دي كتير فأنا هخلي الزيز يوصلك لبيتك حالًا.
سبأ وهي تطيل النظر داخل عينيه وتقول بأنفاس مضطربة:
-مش إنتِ المفروض رئيسهم؟؟ ليه مش بتطلب منهم يسيبوني في حالي!!
رفع قبضته الأخرى ثم ضم إصبعيه السبابة والوسطى إلى بعض وراح يلصقهما بجانب رأسها ويدق عليه بثبات:
-عقل الطفلة دا، مش هيستوعب مهما شرحت اللي إنتِ واقعة فيه، وبعدين أنا مش رئيسهم.
سبأ بصوت مخنوقٍ:
-أمال إنتَ مين؟! وطلبت منهم قت..ل الناس دي كلها ليه؟!
انسكبت الدموع بغزارة من عينيها وهي تجد كل أبواب الأمل قد سُدت في وجهها وقبل أن يتكلم قاطعته هي تقول:
-أبوس إيدك.. أنا عايزة أرجع أعيش حياة طبيعية.. إنتَ اللي دمرت حياتي.. رجعها لي تاني!!
انزل أصابعه ولا تزال قبضته تحكم رأسها من الخلف وبنبرة باردة أكمل:
-إنتِ اسمك أيه؟!
أجابته على مضض:
-سبأ.
-الحق يا تيَّم، إحنا في كارثة!!
تدخل “الزير” قاطعًا حديثهما بعد أن دخل إلى المنزل مهرولًا عقب انتهاء الاتصال الذي ورده، التفت “تيَّم” بعينيه متداركًا أن القادم ليس كما يرغب، انتفضت هي فزعًا فأرخى الأخير قبضته عن رأسها لتنهض مبتعدةً على الفور فيما أشار “تيَّم” بعينيه للأخير الذي أكمل بعد أن ابتلع ريقه:
-وصلني خبر من رجالتنا اللي هناك بأن الوزير ورضوان بيخططوا إنهم يلبسوك قض..ية قصر التجمع لوحدك وكمان في حاجة تانية.
هدر “تيَّم” به؛ فأكمل:
-وسبأ شريكتك في الجر..يمة تحت عنوان “عشيقة”.
شهقت شهقة عالية فزعة وقد تشنجت أطرافها في حالة صدمة مروعة أفقدتها النطق في هذه اللحظة ليتابع الأخير:
-والشاهد في طريقه للاعتراف.. وإحنا لازم نهرب دلوقتي.
صرخت “سبأ” فيه بعُنف:
-اهرب ليه؟ أنا معملتش حاجة تخليني أهرب!!
تيَّم يصرخ فيها بصوت جهوري:
-وإنتِ فاكرة إنك لمَّا تروحي تقولي لهم معملتش حاجة هيطبطبوا عليكِ ويصدقوكِ!!
سبأ باختناق ترد:
-وليه ميصدقونيش!!
الزير باستكمال:
-علشان عندهم مليون دليل وسبب يسجنوكِ بيهم، حتى لو كانت أسباب مش حقيقية، لأن دي شغلانتهم.
سكت هنيهة ثم قال:
-ودلوقتي إحنا لازم نتحرك من هنا وندور على مكان أمان أكتر.
سبأ ببكاء وعويلٍ:
-أنا عايزة أشوف أمي.. أمي وأختي هيتصرفوا إزاي من غيري؟!
تيَّم بثبات:
-هخليكِ تشوفيهم.. يلا اتحركِ.
•~•~•~•~•~•~•
وصل الشاهد إلى النيابة وأدلى بكُل ما طلبوه منه، ليتلخبط الوسط تمامًا وتنتشر الأنباء في كل مكان ثم تقوم الدنيا وتقعد من حملات بحثًا عن الاثنين المتهمين حسب رواية الشاهد.. رفضت النيابة تسريب أية معلومات عن المتهمين حتى يأتوا بهما ويعترفان أولًا ثم تقدم للصحافة ما يلزمهم من معلومات؛ ولكن الوزير وعصابته لم يدخروا معلومة واحدة فقد شنوا حملة إلكترونية بقيادة بعض الشبان الفاسدين الذين قاموا برفع كل التفاصيل التي قال عنها الشاهد وأرفق صورة “سبأ” و “تيَّم” مع كل خبر حتى شاعت مواقع التواصل الاجتماعي بكارثة مقت..ل أربعين سيدة بقصر التجمع على يد رجل وعشيقته.
انطلقت حملة من النيابة في عجلة من أمرها إلى بيت “عزيزة” وما أن وصلوا إلى الحي حتى احتشد الناس في حالة من الصدمة والذهول فقد وصل إلى مسامعهم عما فعلته “سبأ”، انطلقت الحملة بالصعود لمداهمة الشقة وبدورهم قاموا بكسر الباب وما أن دخلوا الشقة حتى وجدوها فارغةً تمامًا من الأشخاص، بدأ رجال الشرطة في سؤال الناس عن سلوك السيدة وابنتيها وما إن كانوا يسلكون مسلكًا أعوجًا ولكنهم لم يتلقوا سوى إشادة بالفتاة ووالدتها من الناس وسيرة طيبة حتى أنهم أعربوا عن رفضهم للأخبار المتداولة وأن الفتاة هي أكثر الفتيات خُلقًا واحترامًا وكانت هذه التصريحات صادمة للصحافة والشرطة؛ إذن ما الذي ورطها بهذه القض..ية؟!
كان “الزير” يراقب الأنباء حول البيت ثم ينقلها مباشرة إلى “تيَّم” الذي قاد سيارة دبرها له صديق طفولته مصطحبًا فيها “سبأ” ووالدتها وشقيقتها الصُغرى.
-تمام يا زير.. تعالى إنتَ ورانا دلوقتي.
جلست “عزيزة” بالكنبة الخلفية مع ابنتيها، احتضنت “يقين” النائمة في دنيا أخرى ولا تشعر بشيء حولها بينما أراحت “سبأ” رأسها على زجاج السيارة شاعرةً بالإرهاق ونفاد طاقتها، في تلك اللحظة نظرت “عزيزة” إلى “تيَّم” عبر المرآة الأمامية وكانت نظراتها مليئة بالسخط والنقم وراحت تقول بنبرة حادة تعاديه فيها من خلال كلماتها:
-أنا لحد دلوقتي مش فاهمة إزاي عالمنا فيه واحد بالشر والسواد دا كله، إنتَ معندكش ذرة ضمير تعمل بيها في دنيتك؟ خاطفني أنا وبناتي ليه؟ مش كفاية الأذى اللي بنتي داقته على إيدك!!
حركت “سبأ” أهدابها بعد أن ايقظها كلام والدتها ونبرتها المحتدة بالغضب د، رمقها “تيَّم” بنظرات ثاقبة رغم الهدوء الذي غلب طبعه الحاد فيما أكملت “عزيزة” باختناق:
-هتروح من ربنا فين إنتَ وكُل قاتل زيك؟! واستفدت أيه لمَّا صورت بنتي في الحمام وهددتها، إنتَ فاكر لو البوليس مجابش حق الناس دي.. ربنا هيغفل عن حقهم!
عزيزة وهي تصرخ بحنقٍ:
-رُد عليا.. إنتَ واخدني أنا وبناتي فين؟!.. إنتَ فاكر إنك كدا بتمنعني أبلغ عنك!
خرج “تيَّم” عن صمته آنذاك وقال بلهجة أكثر ثباتًا:
-أنا بحاول أساعدكم وإنتِ لازم تفهمي دا.. البوليس لمَّا تروحي تقولي له بنتي بريئة مش هيصدقك.. إنتِ لازم يكون عندك الدليل على دا.
عزيزة بغضب:
-ودليل براءة بنتي بإيدك إنتَ.. إنتَ الوحيد اللي تقدر تقول إنها مظلومة وإنك المجرم.
تيَّم بلهجة حادة:
-الموضوع أكبر مني ومنك وخلاصة الكلام عايزة تنزلي إنتِ وبناتك.. مع السلامة.
أوقف السيارة فجأة فأصدرت صريرًا عاليًا ثم صمت عن الكلام وترك لهم حرية الاختيار، تنهدت “سبأ” تنهيدة ممدودة بعُمقٍ قبل أن تتابع:
-يعني إنتَ عايزنا بين يوم وليلة نبقى مجرمين بسببك ونخسر سمعتنا اللي عايشين عمرنا كله نحافظ عليها ومنتكلمش عن اللي واجعنا.. إحنا مش هننزل من العربية لأنه ببساطة إنتَ اللي وقعتنا في المصيبة دي وإنتَ اللي هتخرجنا منها.
هدر بقوة وصوت حاد:
-ولحد ما ألاقي حل لكُل اللي في دماغي.. مش عايز أسمع حرف منكم.
التزموا جميعهم الصمت إلى أن وصلوا إلى مبنى شاهق يقع على أطراف قرية نائية وهذا المبنى تابع لأحد أصدقاءه من مرحلة الطفولة وقد وفر له شقة مفروشة للتخفي فيها حتى شعار آخر فقد أقسم على أن ينال من هؤلاء الأوغاد وأن يعلمهم درسًا لن ينسوه أبدًا، وقفت السيارة أمام المبنى فنظرت “عزيزة” إليه نظرات ثاقبة فوجدته يفتح لهم باب السيارة ويقول بحزمٍ:
-هتباتوا في العربية ولا أيه!!
عزيزة بحنقٍ:
-أيه المكان الغريب دا!!
أجابها ببرود ثلجي:
-شقق مفروشة.
شهقت “عزيزة” شهقة مرتعبة ثم رمتهُ بنظرات ساخطة وقالت غيظًا:
-هي حصلت جايبنا شقق مفروشة!!
رفع طرف شفته العُليا وقال بنفاد صبر:
-مش فاهم، مالها يعني الشقق المفروشة!!
عزيزة بانفعالٍ:
-بتاعة الناس الشمال وقتالين القُت..لى اللي زيَّك.
رماها بنظرة جامدة ولم يطل الكلام معها؛ فيما ربتت “سبأ” على كتف والدتها تحثها على الترجل من السيارة فلا يوجد أمامهما سوى هذا الحل، ترجلت الأخيرة على مضض وما أن تجاوزوا بوابة المبنى حتى استقبلهم صاحب المبنى بالترحاب ثم صاحبهم إلى الشقة المحجوزة من أجلهم، فتح الرجل الباب وما أن دخلوها استأذن الرجل مغادرًا وهنا نظرت كُلَّا من “سبأ” و “عزيزة” إلى بعضهما قبل أن تصبح الأم بحنقٍ:
-إنتَ ناوي تبات معانا في نفس الشقة!!
تحرك “تيَّم” ببرود إلى أن استلقى على الأريكة ثم قال بحسمٍ:
-تقدروا تدخلوا الأوضة وتقفلوا على نفسكم، مش عايز حرف زيادة يتضاف على كلامي.
رمقته بعينين ناريتين ثم دخلت برفقة ابنتيها إلى الغرفة وأحكمت غلقها، رفع ساقيه على طول الطاولة الموضوعة أمامه وشرد عقله حيث ليلة المذبحة بالقصر وكم كانت هذه اللحظة مُرضيةً بالنسبة له؛ يُلقب بالسفاح ولكنه لم يقتُ..ل روحًا من قبل لقد انتظر أن يستحق اللقب وتكون “هي” أول ضحية تلقى حتفها على يده وتمنحه درع القت..ل المروع.
انتزعه من شروده رنين هاتفه وما أن نظر إلى شاشته حتى برزت عروقه النافرة واشتدت حمرة عينيه ليُجيب بنبرة تعبق بحرارة عميقة:
-ورحمة أبويا الغالي لأقت..لك يا وزير إنتَ ورضوان، بتعرف تبيعني؟! والبت الغلبانة دي ذنبها أيه؟ ما الأوساخ حولين منك كتير مخلتش واحد فيهم يشيل الليلة ليه؟!
رد الأخير بأنفاسٍ منتفخة غاضبة:
-إنتَ اللي قررت لمَّا حطيت حياتي في كفة قصاد حياة بت ما تسواش طلقة واحدة من مسد..سي في لحظة غضب وبعدين أنا ما بعتكش.. هو مش إنتَ سفاح قصر التجمع فعلًا!!
تيَّم بلهجة حادة:
-مسد..سي مطلعش منه غير طلقة واحدة واللي نفذ هم رجالتك، وبعدين إنتَ فاكر لمَّا لبستني القض..ية كدا إنتَ براءة، هنتقابل تاني على فكرة وتأتي طلقة من مسد..سي هتكون هدية مني ليك.
أنزل الهاتف عن أذنه ثم أغلق المكالمة فورًا وراح يتمدد على الأريكة وقد اجتاح الألم عنقه مرة أخرى.
داخل الغرفة، ظلت “عزيزة” جالسةً على الفراش بملامح كئيبة مهمومة، تخشى وجودها وابنتيها مع قاتل أكثر من وجودها في الشارع في كبد الليل وحيدةً، كانت “يقين” تنام في سلام كعادتها بينما جلست “سبأ” في نهاية السرير واضعةً رأسها بين ذراعيها لتبادر “عزيزة” قائلةً بضيق شديدٍ:
-إحنا إزاي صدقنا واحد سفاح وجينا معاه لحد هنا؟؟
سبأ بصوت مخنوقٍ:
-علشان مش قدامنا غير الحل دا.
عزيزة تصيح بنفي قاطعٍ:
-لا مكنش دا الحل أبدًا.. هروبنا بيثبت علينا التهمة.. كان لازم نبلغ عنه وعن عصابته من أول دقيقة دخلنا فيها القسم.. دا ممكن يصفي دمنا وإحنا نايمين بكل جبروت وفي ثانية يخلص مننا.
زوت “سبأ” ما بين عينيها ثم تابعت متوجسةً:
-إزاي؟!
عزيزة بقلق بالغٍ:
-يعني بيحاول يدينا الأمان علشان نثق فيه ونيجي معاه لحد مكان مقطوع زي دا ويقت..لنا ويخلص مننا هو وعصابته وسرهم يموت معانا!!
أومأت “سبأ” سلبًا ثم تابعت برفض قاطعٍ لحديث أمها:
-لأ معتقدش، لو كان عايز يقت..لني كان عمل دا في وقت كان فيه القت..ل مُباح بالنسبة له وقدامه عشرات الجثث فلو كان قت..لني كنت هبقى ضمن نفس القض..ية.
قطبت “عزيزة” حاجبيها باستنكار ثم بدأت تصيح بغيظ:
-إنتِ بتدافعي عنه!!
سبأ وهي تبتلع ريقها على مضض:
-لأ.. أنا بحلل معاكِ الموضوع.
عزيزة وهي تتابع بإصرار:
-أنا قررت قرار ومفيش راجعة عنه.
نظرت إليها الأخيرة بعينين متسائلتين فيما تابعت:
-إحنا هنستناه ينام ونبلغ البوليس وهناك تحكي لهم على كُل حاجة وهو وقتها مش هيقدر ينكر وكمان نحكي لهم عن الڤيديو اللي صوروا للك
أطرقت “سبأ” بنظراتها للأرض دون أن ترى والدتها ردًا منها وبقيت هكذا للحظات ثم قالت بصوت خفيض:
-مش هنكر إنه قاتل وعدواني ومعندوش مبادئ بس أنا مش عايزة أبدأ بالخيانة!!
سكتت هنيهة ثم أكملت:
-متنسيش إني لسه عايشة بفضل ربنا ثم هو!
عزيزة بأسلوب محتدمٍ:
-أنا ليه حاسة إنك مُتعاطفة معاه؟؟؟
سبأ وهي تنهض عن الفراش ثم تقول بعينين زائغتين ونبرة متوترة:
-أنا مش مُتعاطفة معاه أنا بعرفك الحقيقة.
-رايحة فين؟!
صرخت بها “عزيزة” حينما وجدتها تقترب من باب الغرفة؛ فيما تابعت “سبأ” بصوت مخنوقٍ:
-رايحة الحمام يا أمي وعايزة أشرب كمان.
فتحت الباب بذراعٍ مُتشنجٍ ثم خرجت من الغرفة على الفور وأثناء سيرها صوب الحمام وقعت عيناها عليه يرقد على الأريكة الموجودة بالصالة ولا تعلم ما الذي دفعها على الذهاب إليه وكل ما شعرت به أنها تقف أمامه مُباشرةً تتفرس معالم وجهه الساكنة في تعجب من أمرها!!
كانت تنظر قبل قليل إلى ملامح عدوانية قاسية.. الآن ترى لين ينبعث من خطوط وجهه المنبسطة.
ترى عاصفة هوجاء في صحوه.. الآن في منامه ترى نسمة ليلية ساكنة تتحرك من محيطه وتداعب وِجنتاها
كانت ترى رجلًا في أفعاله طاغية يستبيح ويفسد ويقت..ل.. الآن ترى آخر يشبه ضحاياه متسطح في سك..ينة لا حول ولا قوة له.
يشعرها بأنها ترى الشيء ونقيضه؛ السفاح والضحية.. رجل المبادئ والجاهل بها.. الشرير في القصة وبطلها!
مجرة مُظلمة كواكبها ونجمًا وحيدًا قادرًا على السطوع.
-آنسة سبأ!!
انتفض جسدها فزعًا حينما اقتحم هذا الصوت شرودها، فركت كفيها بتوترٍ وهي تلتفت خلفها لتجد “الزير” يغلق باب الشقة خلفه ويحمل بين يديه أكياسًا ثم يقول بابتسامة هادئة:
-كُنتِ سرحانة في أيه؟
تحول ببصره بينهما بنبرة ذات مغزى، اِبتلعت ريقها على مضض ثم تابعت بلهجة مضطربة:
-لأ.. أنا مكنتش سرحانة.. أنا بس كنت عايزة أطمن على رقبته بس لقيته نايم.
الزير يومىء بهدوء:
-امممم.. طيب امسكِ الأكل دا.. أنا عارف إنكم جعانين.
سبأ وهي ترفض تناول الأكياس منه:
-لأ شكرًا مالوش لزوم.. بالهنا.
الزير يُكمل بثبات:
-الأكل دا جاي مخصوص علشانكم.. تيَّم طلبه علشان تأكلوا.. خدي متعانديش.
تناولت الأكياس منه على مضض ثم تابعت ببسمة هادئة:
-عارف إنك مش شبههم!!
سألها باهتمامٍ:
-إزاي؟!
أكملت بتنهيدة يائسة:
-يعني مش باين عليك إنك مؤذي ولا رجل عصابات خالص ولا حتى لايق عليك تكون صاحبه!!
أجابها بنبرة صادقة حاسمة:
-أنا حظ الدنيا كله جاني في تيَّم.. ميغركيش المظاهر.. المظاهر خداعة يا آنسة سبأ.
أومأت ثم أردفت بدهشة:
-فعلًا.. ويا ترى بقى إنتَ اسمك زير ليه؟؟
أطلق قهقهة عالية إلى حد ما ثم تابع:
-أصل أنا زير نسوان.
سبأ بابتسامة عريضة:
-فعلًا تاني!!!.. للحظة اقتنعت بمقولتك اللي قولتها قبل شوية “المظاهر خداعة يا آنسة سبأ”.
سبأ بفضول قاتل تتابع:
-وياترى صحاب من أد أيه بقى!!
تابع بحنين لذكريات الماضي:
-من أول يوم قابلته في الملجأ.
فتحت عينيها على وسعهما في اندهاش وقبل أن تتكلم وجدا الباب يُطرق طرقات صاخبة وصوت البواب يقول في عجلة:
-كبسة.. كبسة..
يتبع
#حَرم_السفاح
#علياء_شعبان

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!