حَرم السفا.ح

تأليف: علياء شعبان.

مُقدمة”
أنا مُجرد فتاة كانت تعيش حياة هادئة هانئة إلى أن رأيته فتحول هدوء يومي الساكن إلى عواصف هوجاء ترعد طوال عامي وما كدتُ انتفض في ثورة لإبعاده عني حتى رأيت يداي مقيدتان بسلاسل جبروته؛ تناقضه يُرعبني يؤذيني بشدة كما يحلو له وعندما تطولني براثن الأذى من الآخرين أرى رؤوسًا تُق.طَّع وتُرمى أسفل قدميَّ؛ هكذا هي حياتي؛ حياة حَرم السف.اح.
•~•~•~•~•~•~•
]]الفصل الأول]]
جلست ذات السبع سنوات مُتربعة على الأرض وفرشت أدوات المدرسة حولها في بعثرة عُرفت بها من قِبل إخوتها ووالدتها؛ فهي تعود من المدرسة ثم تجري إلى غرفتها وتقوم بتفريغ حقيبتها بالكامل على أرضية الغرفة وهي تزم بشفتيها في امتعاضٍ وتبرمٍ يغلفهما الصمت، بدأت تمسك بقلمها وتخط في كراستها شخبطة غير مفهومة وليس لها معالم تفي بمقدار هائلٍ من التيه والغضب اللذان يملأن طيات قلبها الصغير، أخرجت صرخات قلبها الهائج في عدة صفحات وما هي إلا لحظات معدودة حتى توقفت وبدأت تبكي بصوت يتخلله العجز والقهر.
-يقين!!
انفتح الباب فالتاع قلب “سبأ” التي رأت شقيقتها الصُغرى ينقطع صوتها من شدة البكاء، نادتها بفزع وهي تهرع إليها ثم أمسكت بذراعيه ونظرت إلى وجهها الباكي مُباشرة وقالت بقلق بالغٍ:
-يقين، بتعيطي ليه؟!
بدأت “يقين” تتهرب بنظراتها بعيدًا عن نظرت شقيقتها التي رمقتها بنظرات ثاقبة قلقة، أخفضت رأسها وهزتها يمينًا ويسارًا تُشير بأنه لا يوجد شيء بها، زوت “سبأ” ما بين عينيها وقالت باستغراب:
-مفيش حاجة إزاي؟! طيب بتعيطي ليه؟ ما أنا عايزة أفهم؟ حد زعلك في المدرسة؟!
أومأت سلبًا مرة أخرى وهي لا تزال تنظر بالأرض، وضعت “سبأ” أناملها أسفل ذقن الأخيرة وقامت برفع وجهها إلى أن نظرنا إلى بعضهما وعادت “سبأ” تسألها من جديد:
-بتعيطي ليه يا روحي، اكتبي لي!!
أرادت “سبأ” بشدة أن تتخلص من القلق الذي يعتريها عند رؤية شقيقتها هكذا خاصة أن “يقين” فتاة خرساء لا تقوى على الكلام أو الفصح عما يعتري قلبها ونفسها، أمسكت “يقين” بالقلم وكتبت بوجه شاحب وكف يرتعش:
-حسن.
ضمت “سبأ” حاجبيها بهدوء وأطالت النظر في الاسم المدون على الورقة وانتظرت أن تكتب شقيقتها شيئًا آخرًا ولكنها تركت القلم بسرعة وبدأت تشبك كفيها ببعضهما في تشنج واضطراب، خرجت شهقة مرتعبة من بين شفتي “سبأ” التي ابتلعت ريقها على مضض وأغلفت عينيها ببطء تنفي ما يدور في خلدها من أمور قاسية قد تكسر قلبها وتشطره نصفين، عضت شفتيها بتوجسٍ ورددت بصوت مرتجفٍ:
-ح حسن؟ مين حسن يا يقين؟! وعمل لك أيه؟!
بدأت “يقين” في البُكاء من جديد وما أن تسلل الشك إلى قلب الأخيرة بدأت تصرخ في وجه شقيقتها وهي تقول بصوت مرتاب:
-ردي يا يقين، مين حسن دا وعمل لك أيه؟! انطقي!!
هزت “يقين” رأسها سلبًا ترفض الاستجابة لأسئلة شقيقتها، لاحظت “سبأ” مؤخرًا أنها تشدد على ذراع شقيقتها بقوة وحدة دون داعٍ وما رُمي إلى ذهنها ما هو إلا هواجسًا فربما يكون صديقها وتم نقله إلى مدرسة أخرى أو شخص أزعجها بدافع التنمر لأنها لا تستطيع الكلام، قررت في هذه اللحظة أن تهدأ وتهدئ من روع شقيقتها، تنفست الهواء بثبات ثم طبطبت على ظهر الصغيرة وتابعت بابتسامة هادئة:
-يقين حبيبتي، قومي غيري هدومك وتعالي علشان نتغدى.
أومأت الصغيرة ونهضت على الفور صوب المرحاض، تنهدت “سبأ” تنهيدة ممدودة بعُمقٍ وقد اتخذت قرارًا حاسمًا بضرورة الذهاب إلى المدرسة غدًا والتحقق من الشيء الذي أزعج شقيقتها وق.تلها بُكاءً.
تحركت “سبأ” إلى المطبخ لوضع طعام الغداء في الصحون ورص الطبلية قبل قدوم والدتها التي أوشكت على أن تصل، كان المطبخ يعج بالكثير من الأواني والصحون المتسخة والصواني التي فُرغت تمامًا من الطعام؛ فوالدتها طباخة ماهرة وقد اتخذت هذه المهارة مهنة تكسب منها قوت يومها حيث تستيقظ من الصباح الباكر ثم تبدأ في تجهيز جميع المأكولات التي طُلبت منها وتم حجزها من قِبل أصحاب الطبقة الراقية، اشتهرت “عزيزة” بطعامها اللذيذ ذي المذاق الخاص الذي يتسم بالنظافة والمذاق المصري الأصيل فكانت تلقى حُبًا وإقبالًا من قِبل الجميع ويتم حجز الطعام الذي تصنعه قبل أن يحتاجه الناس بعدة أيام نتيجة للزحام والتسابق على طلب الطعام منها.
-لمَّا نشوف الحاجة سايبة لنا أيه ناكله النهاردة، يارب يكون حمام، أنا شوفتها بتعمل حمام فإن شاء الله ظني مش هيخيب.
اندفعت نحو الفرن وقامت بفتحه وأخرجت الصينية القابعة بداخله وما أن نظرت داخلها حتى تابعت بابتسامة نصر:
-تعيش الحاجة عزيزة اللذيذة.
قامت بالتقاط الصينية ثم قامت بوضعها على الطبلية الموجودة بصالة الشقة الصغيرة وقبل أن تتحرك عائدةً للمطبخ لإحضار الباقي من الأكل وجدت والدتها تدخل من الباب وهي تقول بأنفاس لاهثة:
-ربنا يتوب علينا من الدور الخامس دا، حيلي اتهد.
سبأ وهي تضرب كفًا بالآخر:
-ما قولت لك يا زوز خليني أنا أودي الأوردرات ومسمعتيش الكلام.
تنهدت “عزيزة” باستسلام ثم تحركت نحو الطبلية وهي تقول بإنهاك:
-وأنا مش ناوية أبهدلك زيّ ما أنا متبهدلة في حياتي وعايشة دور الست والراجل.
سبأ بابتسامة خفيفة تكرر حديثها المعتاد على مسامع والدتها:
-بس أنا راضية يا أمي.. قلت لك مليون مرة عايزة أشيل الحِمل معاكِ.. خلينا نقسمه على اتنين علشان منحسش بيه!!
تنهدت “عزيزة” تنهيدة طويلة ثم تابعت وهي تنظر إلى ابنتها بحسرة:
-ياريت كان عندي ابن يشيل عن أمه وأخته.. بس منين هييجي الابن اللي يشيل لمَّا الأب مش راجل!
تنهدت “سبأ” بامتعاض وهي تتحرك بخطوات ساكنة إلى المطبخ:
-افتكري لنا حاجة عِدلة يا أمي، عكرتي صفو يومنا.

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!