حَرم السفا.ح3
تأليف: علياء شعبان
الفصل الثالث]]
غطت في سبات طويلٍ وهي على نفس حالتها؛ تحتوي جسدها بذراعيها المرتجفين في إنهاكٍ، لم تشعر بنفسها أبدًا وقد أكل النعاس جفونها من فرط الإرهاق، بدأ خيط رفيع من النهار يتسلل عبر نوافذ الغرفة إليها ولكن هذا أيضًا لم يوقظ الوعي فيها إلا عندما فتح “تيَّم” الباب وهو ينظر إليها باستغراب ثم سار نحوها وقال بصوت خشنٍ أثار الفزع في قلبها:
-إنتِ!!.. يلا استعدي.
بدأت ترفع وجهها رويدًا وقد أصاب عظام ظهرها ألمًا فظيعًا لثباتها في مكانها لفترة طويلة بصورة غير معتدلة، حركت أهدابها بضيقٍ حينما أصبح نور الصبح متعامدًا على عينيها، وضعت كفها أمامها تحجب الضوء ثم نظرت إليه ورددت بصوت هذيل:
-خلاص همشي!!
أومأ عاقدًا ذراعيه أمام صدره:
-هتمشي.. بس اوعي تنسي اتفاقنا!
ابتلعت ريقها بتريث وبعض الأمل ثم أومأت موافقةً في استسلام وقالت:
-أنا لا شوفتك ولا أعرفك.. صدقني مفيش كلمة هتخرج مني بس الهي ربنا يسترك ويتوب عليكِ من الذنوب دي لتمسح الفيديو!!
تنهد تنهيدة طويلة ممدودة بصبر نافد:
-قولت لك طول ما إنتِ خارصه؛ الفيديو دا ولا كأنه موجود على وش الأرض.
دعكت جبينها بإنهاك وقررت أن تتوقف عن الجدال معه وإلا أغضبته وتراجع عن قرار ذهابها، أومأت ثم ردت بنبرة غُلبت فيها على أمرها:
-اللي تشوفه يا تيم بيه.. أمشي دلوقتي!!!
رفع أحد حاجبيه وردد بانفعال حاد:
-يا مين؟!!
ابتلعت غِصة مريرة في حلقها ثم ردت بتلعثمٍ وندمٍ:
-حقك عليا.. اعتبرني مقولتش حاجة.
أشار بإصبعه نحو باب الغرفة ورد بحسمٍ:
-طيب يلا قدامي.. في عربية مستنياكِ تحت.
دب الأمل في قسمات وجهها التي انبسطت بسعادة كبيرة وراحت تمشي بخطوات طويلة أمامه حتى خرجا من باب القصر، وقف “تيَّم” أمام سيارة سوداء ثم نظر داخلها وقال للرجل:
-مكان ما تحب تنزل، نزلها.
دخلت إلى السيارة بسعادة غامرة، بدأت السيارة تتحرك وعيناه بقيت تراقبها برصدٍ وثباتٍ فيما أشاحت هي ببصرها بعيدًا عنه وهي تتلهف أن ترى السيارة تبتعد كثيرًا عن هذا المكان الذي لا ترغب أن تعود إليه مرة أخرى.
“على الجانب الآخر من نافذة القصر”.
كز على أسنانه بانفعالٍ جامحٍ حتى كاد فكه أن يتضرر، التقط السيجارة من فمه وراح يدعسها بقوة داخل المنفضة، يضغط عليها أكثر فأكثر حتى يخف شعور الغل والكراهية قليلًا ولكن دون جدوى، فوجود “تيَّم” لا يزيده إلا غضبًا وغيظًا خاصةً أنه الآمر والناهي دومًا وتعليماته تُطبق على جميع الرؤوس الكبيرة والصغيرة وكل الحاشية من حوله إلا هذا المتبجح القوي، لا يجد أية طريقة تجعل “تيَّم” طوع أمره وخاتمًا في إصبعه ولا يأتي بالود حتى، كُل الأمور التي يود أن يتخلص منها بنظافة لا يفلح في فعلها إلا “تيَّم” وملفه المتسخ بالجرائم وقضايا العنف والاستبداد يقع تحت يده؛ لذا لا يمكن معاداته بأي شكل سوى داخل نفسه فقط كما أنه يعلم أن “تيَّم” مُجرمًا مُحترفًا يفعل ما يحلو له ولا يترك ذرة شك فيه ولديه من الدهاء ما يجعله غامضًا لا يُقرأ ومن القوة الجسمانية ما يجعله يتلقى صفعة واحدة فقط تُخضعه لأكثر من عملية، يتساءل دومًا كيف لشخصٍ تيتم مُبكرًا ولا يوجد له غصنٌ واحدٌ حتى من شجرة عائلته أن يكون بهذه القوة بينما هو وحيدًا!!!
يلعن اليوم الذي أحس فيه بالعجز فقرر أن يستعين بقوة تدمر أعدائه فدمرته معهم؛ هكذا هو “تيَّم” لا يترأسه أحدًا ولا كبير ينحني له هكذا يكون شعاره.
•~•~•~•~•~•~•
-نزلني هنا!!
أردفت “سبأ” بهدوء وس.كينة سيطرتا عليها ما أن رأت موقف الحافلات الذي يتجه إلى البلدة التي تقطن فيها، أوقف السيارة فنزلت منها على الفور وراحت تنظر للرجل بتوجسٍ وهي لا تصدق البتة أن الرجل لن يلاحقها أخيرًا ولن يعدو خلفها أحدٌ وسوف تذهب إلى بيتها مرة ثانية دون أن يصيبها مكروه، أدركت أن الأمر انتهى حينما ركبت الحافلة بينما انطلقت السيارة السوداء مغادرة الموقف.
أغمضت عينيها وطفقت تتنفس براحة كبيرة رغم تجمع الدموع في مقلتيها، ابتلعت ريقها بسهولة وهي تقول بصوت خافتٍ:
-الحمد لله يارب.. الحمد لله.. أنا كويسة ولسه عايشة وهشوف أمي مرة تانية.
أخذت تشكر الله كثيرًا أنها لا تزال على قيد الحياة إلى أن وصلت إلى الحي أخيرًا، ترجلت من الحافلة بشوقٍ جارفٍ ثم أسرعت بخطوات سريعة نحو بيتها وقبل أن تدخل البناية وجدت إحدى السيدات تقول بدهشة:
-سبأ!!، فينك من إمبارح دي الدنيا مقلوبة عليكِ!!
انتفض قلبها ذعرًا وهرولت داخل البيت وما أن وصلت إلى الشقة حتى وجدت اثنين من العساكر يقفون أمام باب الشقة وفي الداخل تسمع صوت نواح وعويل وقد تبين مؤخرًا أنه صوت والدتها بصحبة سيدات الحي، تحركت على مضض داخل الشقة وما أن رأتها والدتها حتى صرخت بانهيارٍ:
-سبأ!!.. بنتي.
نهضت بكُل ما أوتيت من قوة ثم هرولت إلى ابنتها وقامت باحتضانها بقوة كبيرة، ظلت “عزيزة” تتشبث بملابس ابنتها في فرحة وقهرٍ؛ مزيجان يعبران عن الفوضى التي أحلت بها والهواجس التي قضت على عقلها في غياب ابنتها؛ بينما دفنت “سبأ” رأسها بين ذراعي والدتها ثم رددت بنبرة خافتة هامسةً:
-ليه بلغتي البوليس يا أمي.. ليه بس!!