حَرم السفا.ح
تأليف: علياء شعبان.
قبل أن تدخل إلى المطبخ وقفت على عتبته ثم نادت بصوت عالٍ تستعجل فيها شقيقتها التي دخلت إلى المرحاض ولم تخرج منه بعد، فلا ترغب أن تزداد الشكوك داخلها أو تأكل لحم أفكارها من كثرة التفكير:
-يقين، يلا الأكل اتحط وأمك جت.
وجدت باب المرحاض يُفتح وتخرج منه شقيقتها بوجه قد تبدلت ملامحه فصار هادئًا بعدما كان يكسوه الخوف والتشنج قبل قليل، ابتسمت “سبأ” لها بهدوء وسكن عقلها قليلًا حالما رأتها ثم التقطت الخبز وعادت مع الصغيرة إلى الطبلية، جلسن الثلاثة القرفصاء حول الطبلية، أقبلت “سبأ” على الطعام بمزاج معتدل وشهية مفتوحة فقالت يتلذذ واستمتاع:
-مش عارفة أشكرك إزاي يا زوز على الحمام دا، جه في وقته.
عزيزة بابتسامة صافية ترد:
-أنا قولت بما إن الأوردر كله حمام يبقى أجيب لنا جوزين ندوقهم على نفسنا وبالهنا والعافية على بدنكم.
تنحنحت “سبأ” بهدوء قبل أن تتكلم في تردد:
-بقول لك أيه يازوز، هي مدة العقوبة اللي فرضتيها عليا مخلصتش؟! أنا بقول المسامح كريم وخرجي لي الموتوسيكل بتاعي من المستودع علشان مش متعودة على بهدلة المواصلات في الجامعة!!.
رفعت “عزيزة” حاجبها وقالت بثبات وهي تكز أسنانها:
-الموتوسيكل تاني؟ مش خلصنا كلام في الحوار دا!!
تركت “سبأ” الطعام فورًا ثم تابعت بصوت يتخلله الندم:
-يا أمي ما أنا ألف مرة اعتذرت، اعتذرت وقولت لو واحد حاول يضايقني في الحارة هرجع لك وأعرفك وإنتِ اللي تتصرفي ومش هشغل دماغي تاني.
عزيزة بضحكة خفيفة كلما تذكرت الكارثة التي فعلتها ابنتها حينما تعرض لها أحد الشبان بالحي فقامت بمداهمته بالموتوسيكل الخاص بها حتى سقط في ترعة القرية وكاد أن يغرق والذي اشترته لها والدتها حتى يسهل عليها الذهاب للجامعة وتوفير أُجرة المواصلات التي تتضاعف كل يوم مع غلاء الأسعار كما أنهما يحتاجانه في توصيل بعض الطلبات التي تكون في أماكن نائية عن البيت فتطلب “عزيزة” من أحد الشبان بالحي أن يذهب لتوصيل الطلب ثم تدفع له مقبل ذلك نقودًا جيدةً وفي بعض الأحيان الأُخرى تُصر “سبأ” أن تذهب لتوصيل الطلبات بنفسها في يوم فارغ من المحاضرات.
-أضمن منين إنك تهدي ومتعمليش مشاكل مع الناس؟!
أردفت “عزيزة” تطرح سؤالًا هامًا؛ فأجابت الأخيرة بتبرم:
-لمَّا الناس تحترم نفسها ومتبصش على بيت فيه تلت ستات باعتبار إنهم صيدة سهلة، وبعدين يا أما البيت اللي مفيهوش صايع حقه ضايع.
عزيزة بنبرة مغتاظة:
-وإنتِ بقى الصايع دا!
أومأت “سبأ” وهي تبتسم في تفاخر رافعةً كتفيها بثقة؛ فيما صدمتها والدتها وهي تقول بإصرار على قرارها:
-يبقى مفيش موتوسيكل هيخرج من مكانه، وكُلي في صمت بقى عايزين نستمتع باللُقمة.
التفتت فورًا إلى “يقين” ثم تابعت بابتسامة حنونة:
-مش كدا ولا أيه يا يوكا؟!!
أومأت “يقين” وابتسمت ابتسامة بالكاد تُلاحظ لانتفاخ أوداجها نتيجة فمها الممتلىء بالطعام، ساد الصمت للحظات ولكنه لم يدُم حينما صدح صوت هاتف “عزيزة” يرن عاليًا، التقطته بسرعة وأجابت:
-أيوة، مدام عزيزة معاكِ، اتفضلي يا هانم!
استغرقت المكالمة حوالي عشرة دقائق تطلب فيهم الزبونة طعامًا يشمل حفلًا كاملًا مكونًا من أكثر من أربعين فردًا وكانت هذه الطلبية هي أكبر طلبية تلقتها “عزيزة” منذ أن بدأت من أكثر من عامين، أملت العملية على مسمع عزيزة جميع الأصناف التي تريدها على مائدة الحفل دون أن ينقص منهم شيء، هكذا أوصتها، أغلقت “عزيزة” معها وهي في حالة صدمة لأن المرأة تريد هذه الطلبية في ظرف يومين، التفتت “عزيزة” نحو ابنتها ثم تابعت بتوتر:
-الحقيني يا سبأ!!!
زوت “سبأ” ما بين عينيها وتابعت بخضة:
-الحقك ليه؟! مالك!!!
عزيزة وهي تبتلع ريقها بتريث:
-مطلوب مني أكل حفلة لأربعين شخص في ظرف يومين!!!
صاحت الأخيرة بصدمة وفم مفتوحٍ:
-نعم؟!!!!!!
سحبت صدمتها فورًا ثم دبت الحيوية والنشاط في صوتها وقالت بعزيمة:
-وأنا أقولك لك مش نعم، إحنا قدها وأدود ونقدر نعمل الأكل في ظرف يومين ويطلع زيّ الفل كمان.
عزيزة وقد اقتبست من ابنتها بعض الشجاعة فسألت بتذبذب:
-تفتكري!!
رفعت كفها أمام وجه والدتها ثم قالت بحسم وإصرار:
-ربنا اللي بيعين يا زوز.
صفقت “عزيزة” كف ابنتها بابتسامة سعيدة وقد تعاهدتا على إنجاز كُل الصعاب والتغلب عليها ومعاندة الحياة وتطويعها لصالحهما.
وهنا هتفت “سبأ” باستعداد:
-أشطا يا زوز.. يا دوب أقوم أغسل كوم المواعين اللي جوا دا وأنضف المطبخ علشان بكرا يومنا كله هيروح في السوق والتجهيزات.
عزيزة بتوجسٍ:
-إنتِ بكرا معندكيش محاضرات في الجامعة!!
سبأ بنفي: لا يا أمي لا بكرا ولا بعده اطمني.
أومأت “عزيزة” بارتياح وعكفت على صحتها تتناول ما به بجوعٍ ونهمٍ وكذلك فعلت الفتاتان وما أن انتهين حتى أسرعت “سبأ” بالانقضاض على المطبخ وتنظيفه بعناية كبيرة استعدادًا لمعركة الغد.
مـــــر اليوم سريعًا وسكن الجميع في ليله بهدوء حتى جاء الصباح في اليوم التالي استيقظ “عزيزة” باكرًا ثم تتجه إلى غرفة ابنتيها لإيقاظ كليهما؛ فتذهب واحدة إلى مدرستها؛ والأُخرى ترافقها إلى السوق، فتحت “سبأ” عينيها على مضض وهي تحجز أشعة الشمس المتعامدة على عينيها بكفها تستمع إلى صوت والدتها الجمهور يقول بحرصٍ:
-يلا، يوم جديد ورزق جديد، كل واحد على شغله، يلا يا يقين على مدرستك!!.
شدَّت “يقين” على غمضة عينيها بشكل لاحظته الأم جيدًا ثم انقلبت على جنبها الأيسر تعطي ظهرها نحو والدتها متشبثةً بغطائها؛ فتابعت “عزيزة” بصوت أكثر حدةً:
-يقين!!.. أنا مش عايزة دلع.
صوبت “سبأ” نظراتها نحو فراش شقيقتها ثم أردفت بنبرة متحشرجة نعسة:
-خلاص يا زوز أنا هصحيها وهوديها النهاردة المدرسة بنفسي.
عزيزة برفض قاطعٍ تقول:
-لا هي تروح المدرسة لوحدها وتبقى شاطرة، هي لازم تعتمد على نفسها وبعدين كدا مش هنلحق السوق من أوله وأنا مش بحب بقايا الخضار بتاع آخر اليوم.
تنهدت “سبأ” باستسلام لرأيَّ والدتها المنطقي والتي اعتادت الذهاب إلى السوق في الثامنة صباحًا لتنقية الخضار بتروي وإتقان فهي ترى أن جودة السلعة تقوي من جودة الطعام بعد طبخه، نهضت “سبأ” على الفور تنتشل شقيقتها المتشبثة في فراشها لتُجبرها على الذهاب إلى الحمام وارتداء زيّ المدرسة قبل انتهاء طابور الصباح الذي أوشك على أن يفوتها، غادرت “يقين” إلى مدرستها وتحركت “عزيزة” و “سبأ” في طريقهما إلى السوق.
بدأت تجهيزات وليمة الحفل على قدم وساق فما كانتا تنامان إلا سويعات قليلة لا تُذكر ثم تواصلا إتمام الأصناف جميعها، انقضى اليومان بسرعة البرق وأصبحت الطلبية جاهزة مُنمقة ملفوفة بإتقان ورغم الإجهاد والتعب اللذان يسيطران عليهما إلا أن “سبأ” قررت أن تذهب بنفسها لتسليم الطلبية وألا تترك تعب وعناء يومين في عُهدة شخص آخر ويروح ما فعلاه سُدى.
-يا بنتي الأوردر تقيل عليكِ، خليني أروح معاكِ أو أي حد من الشباب في المنطقة!!
أردفت “عزيزة” بقلق فيما تابعت الأخيرة بثبات وإصرار:
-يا أمي إحنا في غنى عن احتياجنا لحد وبعدين أنا أكيد مش هاخد كمية الأكل دي في الموتوسيكل، أنا خلاص طلبت أوبر وهو جاي في الطريق، هيوصلني لحد العنوان بالظبط، هاخد حسابي وفي نفس العربية هرجع.
تنهدت “عزيزة” باستسلام لإصرار ابنتها ورأت أن ما تقوله جيدًا ولا يستدعي قلقها؛ فهذه ليست المرة الأولى التي تذهب فيها لتسليم طلبية طعام محجوزة، لحظات ورن هاتفها يُعلمها السائق بمجيئه، أسرعت “سبأ” بحمل الطعام على مرتين؛ أنزلت جُزءًا إلى السيارة ثم صعدت إلى الشقة لأخذ الجُزء الآخر، التقطت من والدتها الورقة التي دون عليها العنوان ثم انطلقت في طريقها.
“كُل الطُرقٍ مُتشابهة بطريقة أو بأُخرى؛ أولها وداع وآخرها عودة؛ ولكن تخيل أن يتغير طريقك في لمح البصر أن يكون الوداع أوله وآخره فــــرار!!!.. طريق يحول حياتك من الألف إلى الياء وما عُدت بعدها ذات الشخص الذي سلك الطريق ولم يعرف المجهول وراء خطواته”.
أعلمت السائق عن وجهتها حيث أحد القصور بمنطقة التجمع الخامس وبالأخص أحد الأحياء فيها، سلك السائق الطريق كما أملته عليه وما أن وصلت إلى ذلك الحي حتى أجرت اتصالًا بالعملية تطلب منها وصفًا دقيقًا حول القصر وما هي إلا دقائق حتى كانت تقف أمامه، ترجلت من السيارة ثم طلبت من السائق أن ينتظرها لدقائق قليلة، تحركت بخطوات بطيئة نحو البوابة التي فُتحت على الفور وظهر رجل بزيّ رسمي يقف أمامها، تنحنحت “سبأ” بتوتر وقالت:
-المدام صاحبة البيت طالبة أكل دليفري، ممكن تبلغها!!
أومأ بهدوء وهو يضغط على سماعة تقبع داخل أذنه ثم قال بصوت بارد:
-الأكل وصل يا فندم!!.. تمام.
سكت لثوانٍ ثم نظر إليها وقال بثبات:
-المدام بتطلب منك تدخلي.